حبيب الله الهاشمي الخوئي
253
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بصرها أي قابلة للانتفاع بما في الكون من عجايب التّدبير مدركة لما في الآفاق والأنفس من الآيات والعبر بعد ما كانت غافلة عن إدراكها . ( وتنقاد به بعد المعاندة ) أي تنقاد للحقّ بعد العناد والالحاد ، وذلك لأنّه يحصل بدوام الذّكر والفكر حالة المراقبة واستشعار عظمة اللَّه تعالى وجلاله وكبريائه فيحصل بذلك ذلّ وانكسار ومهانة للقلب ويكون داخرا ذليلا منقادا لقبول أمر الرب ونهيه ، سالكا لسبيله بعد ما كانت منحرفا عنه وتجلو الذكر قلبه وتقرّ عين باطنه فتبصر بما لا يبصر به قبل المداومة بالذّكر ، اللَّهمّ آنسنا به بلطفك الخفيّ واما الفصل الثاني فهو قوله : ( وما برح ) أي ما زال ( للَّه ) بمقتضى لطفه ورحمته ( عزّت آلاؤه ) وجلَّت نعماؤه ( في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات ) من الرّسل وطول الهجعة من الأمم ( عباد ) صالحون كاملون في معرفته تامّون في عبوديّته قائمون بأمره في أنفسهم مبشّرون ومنذرون لغيرهم ( ناجاهم في فكرهم ) أي ألهمهم معرفته وأفاض على قلوبهم كيفيّة سلوك سبيله وهداية الناس إليه ( وكلَّمهم في ذات عقولهم ) أي خاطبهم في باطنهم سرّا وتجوز به كالمناجاة عن الالهام والإفاضة التي أشرنا إليها ( فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع والأبصار والأفئدة ) أي استيقظوا بشمول الألطاف الغيبيّة والإفاضات الالهيّة من نوم الغفلة ورقد الجهالة ، واستضاؤا بنور حاصل في الأسماع بسبب استماعها إلى ما فيه صلاح الدّين من المواعظ والحكم والفضايل وآيات الكتاب المبين . وقد قال تعالى * ( إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه وأَنْصِتُوا ) * فانّ الاستماع إلى ذلك بقصد الفهم والقبول محصّل لأنوار الكمالات النفسانية ، ولذلك مدح اللَّه تعالى المؤمنين بكون استماعهم على هذا الوجه وقال عزّ من قائل * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ ) * أي إذا قرء على المؤمنين القرآن واستمعوه زادتهم آياته تبصرة ويقينا